صاحب السمو الملكي الأمير غازي بن محمد يقدم للأمم المتحدة مبادرة صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بعقد أسبوع عالمي للوئام بين الأديان

عمان- تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس الأربعاء مبادرة أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني لعقد أسبوع الوئام العالمي بين الأديان وذلك في الأسبوع الأول من شهر فبراير\شباط من كل عام.

سمو الأمير غازي بن محمد، المبعوث الشخصي والمستشار الخاص لجلالة الملك عبد الله الثاني قام بطرح المبادرة اليوم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفيما يلي النص الكامل لخطاب الأمير غازي:

بسم الله الرحمن الرحيم.
سيادة الرئيس ، بالنيابة عن المملكة الأردنية الهاشمية والرعاة الـ29 الآخرين: ألبانيا وأذربيجان والبحرين وبنغلاديش وكوستاريكا وجمهورية الدومينيكان ومصر والسلفادور وجورجيا وغواتيمالا وجمهورية غويانا التعاونية وهوندوراس وكازاخستان والكويت وليبيريا وليبيا وموريشيوس والمغرب وعُمان والبارغواي وقطر والاتحاد الروسي والمملكة العربية السعودية وتنزانيا وتونس وتركيا والإمارات العربية المتحدة والأوروغواي واليمن ، يشرفني أن أقدم مشروع قرار ـ A/65/L5 بعنوان “أسبوع الوئام العالمي بين الأديان”.

أود أن أوضح بإيجاز الأسباب التي دعت جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لإطلاق مشروع القرار هذا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر\ أيلول، 2010.

كما تدرك جيدا هذه الجمعية، فإن التوتر الديني يعصف بعالمنا مُخلِّفاً وراءه، وللأسف، مظاهر الارتياب والكراهية والبغضاء التي من شأنها أن تولد العنف الطائفي. ليس هذا فحسب، بل وأن تشوه صورة الآخر ومن ثم تستحوذ على الرأي العام وتستميله لدعم شن حرب على أتباع الديانات الأخرى.
فعلى سبيل المثال، ووفقا لنتائج استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة غالوب عام 2008، والذي يعد أحد أكبر الدراسات الدينية عالميا عبر التاريخ، فإن 53% من الغربيين يعتقدون أن المسلمين أناس إما “سلبيين” أو ” سلبيين جدا” كما أن 30 % من الذين شملهم الاستطلاع حول العالم من المسلمين لديهم وجهات نظر سلبية ضد المسيحيين.

إن تشويه سمعة الأديان أو حتى الإساءة إليها سيكون ذريعة لخلق نزاع عالمي في الوقت الذي ينبغي أن تكون الأديان فيه مرتكزا عظيما لتيسير عملية السلام. وعلاج هذه المشكلة هو في قبضة الأديان ذاتها. يجب أن تكون الديانات جزءا من الحل، لا من المشكلة.

وقد تم بالفعل القيام بعمل جيد في هذا الصدد بدأ فعليا مع انعقاد المجلس الثاني للفاتيكان في عام 1962 وإلى عام 1965 شارك فيه مئات المجموعات سواء من الذين ينتمون إلى ديانة واحدة أو أتباع ديانات أخرى من أنحاء العالم.
لكن القوى التي تحرض على التوتر بين الأديان، لا سيما التي تتسم بالتزمت الديني بكافة أشكاله، تكون وللأسف، أفضل تنظيما، وأكثر خبرة، وأفضل تنسيقا، وأكثر تحفزا وأكثر شراسة.
ليس هذا فحسب، بل يستخدمون حيلاً أكثر، و لديهم مؤسسات أكثر، ويمتلكون أموالا أكثر، كما أنهم أقوى وشعبيتهم أوسع بحيث أنها تطغى على كل عمل إيجابي قامت به شتى مبادرات الحوار بين الأديان. والدليل المؤسف على هذا يتمثل في التوترات الدينية التي تزيد ولا تنقص.

سيدي الرئيس، سأعود الآن إلى نص مشروع القرار، إذ أرغب بتوضيح بعض أهم مصطلحاته ومفاهيمه،
1) في عنوان القرار نفسه وفي الفقرة الثانية وأماكن أخرى، تم استخدام كلمة “وئام” بالمعنى والمفهوم الصيني للكلمة. نضيفها لكلمة تسامح (والتي استخدمناها أيضا)، لأن التسامح يمكن أن يكون له مدلول سلبي بأن الطرف الآخر سلبي لدرجة تتعين التسامح معه.

كما أنه لا يمكننا استخدام كلمة “قبول” لأنها ضمنا تعني قبول الأديان مذاهب بعضها البعض بدلا من تًقًبُّلها حق الإيمان بتلك العقائد، وليس هذا جلّ همنا، ولا يمكننا أيضا استخدام مصطلح “السلام” بمفرده لأنه يوحي بعدم وجود حرب وليس بالضرورة عدم وجود الكراهية.
لذا وجدنا أن المفهوم الوحيد الذي بإمكلنه أن ينقذنا هو المصطلح الكونفوشيوسي “الوئام”، لأنه لا يقتصر على مفهموم “السلام”، بل يعني أيضا التفاعل الديناميكي المتناغم بين مختلف العناصر تحت إطار شامل.

2) وردت في الفقرة الثالثة إشارة إلى “حب الله وحب الجار” أو “حب البِّر وحب الجار”. هل لهذه الإشاره الدينية ضرورة في قرار للأمم المتحدة؟ للإجابة على هذا السؤال، ننوه بأن مشروع القرار هذا فريد من نوعه لأنه يركز على موضوع السلام بين الأديان وليس على أي أمر آخر. ولهذا، فإن أية إشارة دينية ترد في هذه الحالة تُعد أمرا طبيعيا للغاية. أما التشبث بنقيض ذلك لا يعني سوى تجاهل مشاعر 85% من سكان العالم الذين يعتنقون ديانة أو أخرى.

ثانيا والأهم من ذلك ربما ندرج هذه الإشارات الدينية ونحن ندرك تماما أن علوم الإلهيات أمر لا يعني الأمم المتحدة بل إن هدفها الرئيس خلق فرص للسلام والحفاظ عليه دون إشارة إلى ما يتعلق بالذات الإلهية أو بالوصيتين المذكورتين في سفر متى 22: 34-40 وسفر مرقس 12: 28-31 عن الحب. سيعتبر الأكثرية بل الأغلبية من الملتزمين المسلمين والمسيحيين واليهود أن أية دعوة علمانية إلى أسبوع وئام بين الأديان هي ابتذال وعجز لا يمكنهم دعمه بإخلاص وجدية. فقد جاء في الكتاب المقدس قول عيسى المسيح،

” لا يقتات الإنسان على الخبز فحسب، بل يقتات على كل كلمة من كلام الرب.” (انجيل لوقا، 4:4 ومتى، 4:4) وأيضا، “ليتقدس اسمك” (متى، 6:9) ونجد هذا المعنى في القرآن الكريم في الآية الكريمة “وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى” (سورة الليل، 92: 19- 20) وأيضاً “ولذكر الله أكبر” (سورة العنكبوت، 29: 45). وبعبارة أخرى، فإن كثيرا من المسلمين والمسيحيين واليهود الذين يشكلون مجتمعين 55% من سكان العالم والذين، للأسف، أضحوا متورطين في معظم النزاعات في العالم فمن الضروري أن أذكر جوهر معتقداتهم. إذ أن تعزيز السلام ‏بين الأديان بالإكراه أوبفرض لغة قوى خارجية علمانية ‏بيروقراطية بحتة ما هو إلا كالبيت المنقسم على نفسه والآيل للسقوط.

ثالثا: جدير بالذكر أن هذه اللغة لا تستثني أتباع أي ديانة أو معتقد على الإطلاق. وكل شخص نيتة حسنة، سواء كان يعتنق ديانة ما أم لا، بوسعه، بل وينبغي عليه أن يلتزم بحب الجار وحب الله أو حب الجار وحب البر. ‏فحب الجار وحب البر ما هو في النهاية إلا جوهر النية الحسنة، ‏والإشارة إلى البر لا تعني بالضرورة الإيمان بالله أو بدين بعينه. وبالرغم من أن “البر” يعني “الله” للكثير من المؤمنين، إلا أن عيسى المسيح قال ”ما من بار بحق إلا الله الواحد“ (إنجيل مرقس، ‏‏10:18) و ”البر“ اسم من أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم، ‏وبالتالي، فإن الحديث عن “البَرّ” صيغة شاملة وصحيحة دينياً وتخلق الوحدة بين البشر من دون استثناء أحد.‏ ‏

رابعاً، هناك سبب آخر لضرورة الإشارة إلى حب ‏الجار، حيث أنه يضع معيارا قيما وعمليا يرجع إليه ‏الناس لسؤال أنفسهم إذا ما كانت أعمالهم تنبع من كاريتاس‏ ‏caritas‏: أي الحب الجار، أم لا. وكما قال سيدنا محمد، ”لا يؤمن أحدكم حتى يحب لجاره ‏ما يحب لنفسه“. ‏(صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم 45، ص. 76)

3) في الفقرة الثالثة، تم استخدام عبارة ‏‏”على أساس طوعي“ لأن الاقتراح برمته يجب أن يكون ‏طوعيا تماماً ولا يجوز إجبار أي من دور العبادة على ‏الاحتفال بأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، ففي حين أننا نشجع الوئام بين الأديان، لكن الأمر الذي نرفضه هو أن يشعر أي شخص على الإطلاق بأن هناك أمرا مفروضا على إيمانه ومعتقداته وقَناعاته. ومع ذلك، يمكن للمرء ‏أن يتصور الحوافز الإيجابية لكي يشجع ويساعد في دعم ‏ورصد تنفيذ مشروع هذا القرار.‏

4) وأخيرا، تعتبر عبارة “كل ‏حسب تقاليده أو معتقداته“ في الفقرة الثالثة عبارة شديدة الأهمية، لأن الديانات ‏المختلفة لا تفسر عبارة “حب الله وحب الجار” بنفس ‏الطريقة ولا ترغب أن يقال بأنهم يفعلون ذلك. ‏وهكذا فإن هذه العبارة تتحاشى الوقوع في مخاطر التوفيق بين المعتقدات ‏المتعارضة كما أنها تتحاشى التقليل من أهمية هذه المعتقدات وفي نفس الوقت، تعطي مجالا لكل من له هدف موحد، وإن وجدت الاختلافات الدينية بينهم، بالعمل تحت الإطار ذاته، نحو تحقيق السلام والوئام ‏بين الأديان.‏

وفي الختام، أطلب وبمنتهى التواضع من الدول ‏الأعضاء في الجمعية العامة تبني مشروع قرار أسبوع الوئام العالمي بين الأديان، مع الأخذ بعين الاعتبار ‏أن مشروع القرار هذا، لا يستثني أحدا ولا يطلب من أي أحد القبول بتسوية غير ملائمة، ولا يلزم ‏أحدا، ولا يجبر أحدا، ولا يضر بأحد ولا يكلف شيئا. بل، و‏على العكس تماما، يشمل الجميع ويحتفي بالجميع، ويفيد الجميع، ويوحد الجميع ولديه القدرة على نشر السلام والوئام في العالم بأسره إن شاء الله.
شكرا سيادة الرئيس‏